التفرد و التمرد

إن مفهوم التفرد عند معظم الناس تشوبه بعض المغالطات و التزييف ، فالمتفرد ليس ذاك الذي تباهى بتسريحة شعر جديدة لا تشبه غيرها او إكتسى ثيابا غريبة نوعا ما عن المعهود تحت مسمى كسر طوق المألوف و ليس المتفرد ايضا ذاك الذي حاد عن منظومة القيم و الاخلاق كي يخلق فلسفة جديدة في الحياة كما يعتقد .فالتفرد لا يعني بالضرورة الاختلاف حيث أن الاختلاف قد يكون وراثيا شكليا يولد مع الانسان كالنسب ،اللون أو المظهر الخارجي على سبيل المثال. أما التفرد فهو أعمق من أن يكون محسوسا، إذ أن يترفع عن كونه منظورا. حين تختلف رؤيتك للأمور، حين لا تنطبق مواقفك و آراؤك مع غيرك الذين إستسلموا للضيم ،العادات  والتقاليد البالية ،أو بالأحرى حين تدور دواليب عقلك  يمنة  بينما تدور دواليب عقول الاخرين يسرة ،حين تبدو كالبطة السوداء بين البجعات البيضاء، أو حين تسبح عكس تيار الحياة .قد تتعرج السبل أمام المتفرد، تضيق به نفسه و يكبل بقيود الكره و الاقصاء الوهمية التي يفرضها مجتمعه او ربما تنهرق السخرية عليه كسم الافاعي ليجد نفسه في دوامة تنتهي بخيارين فقط اما الرضى بالوهن، الاستبداد و الجور أو تتوهج شعلة التمرد و تتقد فيه رغبة جامحة في تخطي القوانين و القواعد

هذا ما أسميه التمرد الشريف الذي تحبل به الارواح الراقية إلا أنها لا تتمخض به الا في ظلال القمع .يكافح المتفرد المتمرد في سبيل الحرية رغم الانواء و العواصف، يسعى الى حشد أفراد معه إذ أنه لا يكتفي بشخصه إنما يبذل قصارى جهده كي ينشر طموحاته و يشارك اهدافه .لا تهمه العوائق التي تعرقل مساره فهو متأهب دوما لمجابهتها بعزيمة من فولاذ

 

  و لكن كيف يبدو الوجه الاخر للتمرد ؟

التمرد يظهر أيضا كشكل من أشكال العناد و فرض الذات بطريقة غير سوية أي جعل الفرد محط أنظار الجميع. غالبا ما يكون المتمرد في هذه الحالة ثرثارا مهذارا غير ناضج يطمع في الشهرة و الاضواء ،أو متعصبا متطرفا مراده الفوضى ،الشرور بل اقتراف  الجرائم كذلك . وأرى أنه في كلتا الحالتين عالة على مجتمعه بسبب جهالته و عماوة بصيرته. كما ذكر جبران خليل جبران “الحياة بغير تمرد كالفصول بغير ربيع ،و التمرد بغير حق كالربيع في الصحراء القاحلة الجرداء، الحياة و التمرد و الحق ثلاثة أقانيم في ذات واحدة لا تقبل الانفصال و لا التغيير

في الختام، خلق المتفرد حرا كالطير الطليق الذي يسبح في فضاء الحب و السلام مرددا أنشودة الحرية ، وما من قوة غاشمة تستطيع منعه أو حبسه .ثق بقدراتك رغم تفردك، امن بأفكارك وعززها دوما، لا تدع أيا كان يقيد سلوكك تصرفك بقيود المقاييس و الموازين الثقيلة، تسلح بالشجاعة و الاقدام و الاهم أن لا تحبس طائر نفسك الغريد في قفص بين العوارض و القضبان و الا عشت بفجوة في داخلك، فجوة تتعاظم كلما كبتت عن التعبير

Leave a Reply